Diplome à distance

الاثنين، 26 مايو 2014

أوراق الياسمين, الجزء الثاني عشر والثالث عشر: لحسام الداود.


12.. فيروز الصباح..

في هذا الصباح.. كانت الشمس تطل من خلف ستار ذلك الغيم الأبيض. كأنها كانت تسترق النظرات إلى تلك القِطَع البيضاء, التي تبدو وكأنها أطفال ترتدي الملابس البيضاء, وتركض وتلعب على أرض آثرت أَن تكون زرقاء. كنت معتادة على تلك التغاريد الصامتة في أواخر أيام الصيف, تلك التغاريد التي تشدو بأناشيد السماء, والشمس تترقب النظرات من بعيد, وكأنها تلك المعلمة التي أعطتهم تلك الأناشيد.. كنت مرتدية ذلك الشورت الأبيض, فلطالما يحب أَن أَقُوُم بإرتدائه له. فكرت في هذا اليوم الرائع بالخروج إلى نزهة أنا وطفلي رغيد, الذي أحببت قدومه إلى حياتي, على الرغم من رفض والده لقدوم ذلك الطفل, الذي بدأ ينكشف رويداً رويداً بعد ولادتي له, الأمر الذي يشعرني كأنه لم يَكُن ابنه, ولكن مهما يكن من أمر, فإني أحببته وسأُحِبه وأعطيه كل حناني وعمري وحياتي. لا أعلم سبب الشعور بالخوف الشديد عليه من والده, الأمر الذي يجعلني أحميه وأَن أحرص أَن يكون بعيداً عنه.. هو شعور غريب, ولكن يوماً بعد آخر يتوغل ذلك الإحساس إلى قلبي.. لم أكن أحب أَن تشاركني في تربيته خادمة أجنبية, على الرغم من إلحاح فرج وإصراره على أَن يحضر لي خادمة لرعاية الطفل, لم يكن ذلك غريباً منه, على الرغم من أَنه لا زال يحبني ذلك الحب المريض, الذي يزداد غرقاً تحت أمواج التناقضات. يقول بأَن مجيئ الطفل إلى حياتنا قد حال بين تلك السهرات التي ينبغي لنا القيام بها بغرض توقيع الصفقات.. وبأَنه انتزعني منه, فهو جالس في حضني طوال الوقت, ففي أيام كثيرة, لطالما حاول أَن يضربه بحجة المزاح وأنا أذهب به وأحميه بضمه إلى صدري. نَعَم. هذا ما حدث بعد قدوم حبيبي وطفلي رغيد, كان والده يعتذر عن الكثير من السهرات بإصرار مني, وأنا أحاول أَن أقدم له تلك الإغراءات الأنثوية, حتى يقوم بالإقتناع.. قمت بفتح النوافذ وأبواب حديقة المنزل, حتى أسمح لتلك النسمات الرقيقة بالدخول إلى حياة الإختناق المتدرج. بَقي شعري مفروداً وراء ظهري. كانت تلك الفكرة التي تقول بأَن أقوم بنزهة أنا وطفلي تخرج من مهد سعادتي, حتى باتت تطل مِن شرفة التنفيذ لتلك الفكرة. فقد بدت معالم القيام بتلك الفكرة واضحة, تجلى ذلك في الترتيب القليل للمنزل, كنت في تلك اللحظات كالطفلة التي تحب أَن تشاطر والدتها في ترتيب المنزل للمرة الأولى.. وبينما أنا على هذا الحال, إذا بي أسْمَع صوتاً فيروزياً بنكهة ملائكية, وهو يناديني بالكلمة التي تحب أَن تسمعها كل أُم, حتى لو كانت بحروف متلعثمة, وبنبرة الطفل الباكي المستيقظ من نومه ناداني قائلاً وهو باكٍ: -مامي.....مامي. .مامي... كل ما أذكره في تلك اللحظة بأَني رَكَضْت إلى حيث ينام, حَمَلْتُه وحاوَلْت أَن أُداعِبه بشعري, وأنا أقبله وأضمه قائلة بحب لم يرَ أحد مثله مِن قبل: -عيونها لمامي روح قلبها لمامي.. أنت بس حبي وعمري وكل حياتها لتولين. يا الله شو حلوة ريحتك وأنت صاحي من نومك يا ملاكها لتولين.. بَدَأْت أُدخل أصابعي في شعره البارد, وضعته في حضني وحاولت أَن أجعله يستيقظ بطمأنينة وأنا أغني له وأداعبه.. بهمسات رقيقة مصحوبة بالقبلات, وأنا أُمْسِك به برفق, وأجعله يقف على حضني, ويضع رأسه ما بين كتفي وصَدري. قُلْت له: -اليوم سنخرج بنزهة أنا وأنت فقط هل تحب أَن تخرج مع ماما تولين.. كأنه فَهِم ما قلته له, بدت تلك الصورة واضحة من خلال ابتسامته وفرحته البريئة, التي أنا فقط القادرة على شعوري بها.. اتجهنا إلى الغرفة بغرض تبديل الملابس, أحببت أَن أتبرج بثيابي فقط لطفلي هذه المرة, بعيداً عن أبيه والذئاب المسعورة, ارتديت تنورة بيضاء مع بلوزة سوداء بلا أكمام, وإرتديت قبعة بيضاء. وحتى أستغل الوقت ما استطعت, كنا نلبس أنا وهو في وقت واحد, وإذا بأظافره الصغرى تمسك بصدري, ومن دون قصد, قمت بضربه ضرباً خفيفاً وأنا أنعته باللؤم كأبيه, الأمر الذي أبكاه, ربما بكى من ضربي له, وربما بكى لأني قمت بتشبيه نظراته بنظرات أبيه. وعلى الفور بادرته بالإعتذار ومسح دموعه وحمله وتقبيله وأنا لا زلت أعتذر وأدعو على نفسي بالحمى.. كان ذلك اليوم من أجمل أيام عمري, تلك الفرحة أعادتني إلى تلك الذاكرة, عندما إلتقيت بفرج للمرة الأولى بعد ذلك القيد الخانق. ذهبنا أنا وطفلي إلى الحديقة, كانت تلك النسمات كأنها أرادت النزول من الجنة إلينا أنا وهو, ركضنا على العشب الأخضر الرَّطِب, قمت بالوقوف بعيداً عنه, حتى يجري إلَي ويتعثر على العشب, وأنا أركض إليه من بعيد والضحكات تنساب مني حتى أحمله وأَقُوُم بتلك الحركة المستديرة, ومرة كنا نجري أنا وهو في وقت واحد.. وبعد ذلك المرح الطويل, اشتريت أنا وهو قطعة كيك, جَلَسْت أنا وهو فقط على طاولة مستديرة في مقهىً قريب, نَعَم, في مقهى أنا وطفلي فقط, كانت نظراته البريئة السعيدة تشعرني بأَني أستحق أَن أكون أمه وهو يكون ابني. بعد ذلك اليوم الشاق, قررنا العودة, وبعد وقوف طويل, استقلينا سيارة أجرة, كانت سيارة جِيب كشف حمراء اللون, وفي طريق العودة, نام على يدي وحضني كالملاك, حاوَلْت أَن أُمسِك بي وأضمه إلى صدري ما أمكنني ذلك. وبعد وصولنا إلى المنزل, رأَيْت فرج قَد أحضر الخادمة الأجنبية, التي ستكون مسؤولة عن رعاية رغيد, وعندما رآه نائماً على صدري, انسابت نظرات الشر من عينيه, قُلْت له بأَني سأضعه على السرير وأعود, كنت خائفة جداً جداً جداً, حتى أَني كنت أوشك على البكاء..



13

.. الحقيقة المفجعة..

قال لي بالأمس, بأَن يوم الغد سيأتي معه ضيفٌ ثقيلٌ في منصبه على الغداء. بعد أَن كان في هذه الليلة كطفلٍ صغير, يرتجف ويخاف.. يطلب مني بحب وبرجاء أَن أسامحه على أنانيته. أَما أنا في حقيقة الأمر, لم أكن يوماً غاضبةً منه, كيف يمكنني التذمر منه وتلك اللحظات المجنونة لا زالت تختبئ بين ثيابي في خزانتي. أنا فقط كارهة لتلك التناقضات التي تتعانق ما بين أمواج الحب العاصف منه, ذلك الحب الذي يرتدي ثياب التملك والرغبة بأَن أكون له متى شاء وأَن أبادل الضحكات لغيره متى شاء.. ولكن لا زال ذلك السبب يخيفني يوماً بعد آخر, ويعصف بي كقطعة خشب تسبح في محيط هائج. لماذا يكره طفله ذلك الكره؟؟ وكأنه جاء به من مَيْتَم الأطفال؟؟ بالأمس عندما أوشكنا على النوم.. قال لي بخوف, بعد أَن فَرَدْت شعري على الوسادة: -تولين... قلت له بحميمية الإشتياق: -شو يا عمري حياتها لتولين.. وأنا أرى في عينيه الخوف وفي جسده الإرتجاف.. صمت قليلاً وأتبع بصحبة حروف مرتعشة: -عانقيني.. عندما مسحت يدي على جبينه ووجهه, أحسست بأَن رأسه عبارة عن كتلة من كتل النار. نَعَم.. في ذلك الوقت, انتابني شعور بأَن لم يكن لدَي طفل واحد, بل هُمَا طفلان. وهو لا زال يعتذر عن بشاعة تصرفاته معي في بعض المواقف, بسبب ضغط أعصاب لا يَعْرِف مصدره وسببه. لم أشأ أَن أعطيه تلك المحاضرة القائلة بأَنه ينبغي محبة الأطفال الذين ننجبهم.. عانقته وضممته كَمَا أفعل مع رغيد, وأنا أهدئ من خوفه ورعشته وأجدد عهدي بأَني معه ولا يجب عليه الخوف وأنا معه.. لم أنم في تلك الليلة. بَقيت ساهرةً أراقب تلك الحرارة التي بدأت بالنزول بشكل تدريجي. لكني كنت أسمع منه هذيان بنكهة أنين, سرعان ما بدأ يضغط على أسنانه. وفي ظل شياطين الخوف المتزامنة لديه, كان يردد تلك العبارة ولكن بشفتيه وهو يقول: - أنا يتيم.. أنا يتيم.. وعاد يناديني بإرتجاف: -تولين.. تولين... وأنا أقول مُقْسِمة له بحب وخوف في آن واحد: - خلص حبيبي والله أنا جنبك.. أنا معانقتك وحاميتك وضاممتك على صدري.. لا تخاف يا عمري ما رح اتركك.. وكأن بجانبي طفلٌ صغير, بعيداً عن ذلك العنف الرجولي, بعيداً عن التلذذ بإيلامي عندما يعاشرني.. أَيْقَنْت بأَنه مريض.. بقي على ذلك الحال حتى ساعات متأخرة من الليل, وأخيراً نام بعمق, بعد زوال حرارته. كأن شيئاً لم يكن.. أحسست بأنه يهرب ويلوذ من خوفه بإعتذاره, وأنه لم يقصد تمرير الإعتذار عن المواقف العشوائية بغرض أَن أكون مجاملة لذلك الضيف, الأمر الذي دعاني إلى تقبيله ومعانقته, إضافة أَني كنت معتادة على أَن أكون كَمَا يريدني في مختلف المناسبات, لم أرَ مشكلة في ذلك, طالما أَني أستطيع الدفاع عن نفسي. أو ربما بات شعوري شعوراً اعتيادياً في طقوس المناسبات.. في ذلك الوقت, سافَرْت مع أفكاري التي تحاول الطيران حتى وإن كانت بلا أجنحة, قمت بالوصول إلى تلك النتيجة القائلة بأَني أنا مَن قمت بإختيار ذلك المصير, وقد شفع لي دافع هروبي من ذلك المنزل.. وفي صباح اليوم التالي, أكد لي مجدداً بأَن تكون مراسم الإحتفال عند الغداء كَمَا يجب, وعندما سأَلْتُه بحب عما جرى له بالأمس, هز رأسه بطريقة مكابرة وهو يقول مجرد أفكار, وأوصاني أَن لا أخف.. قَبَّلَني وألقى علَي التحية موَدِّعاً وإنصرف.. وفي وقت الظهر. بعد مجيئ ذلك الضيف, ألقيت عليه التحية, وتركتهما يتجاذبان أطراف الحديث.. لم أَقْصِد أَن أقوم بالتجسس على حديثهما, ولكني كنت أقوم بتنويم رغيد, وفي ظل الغرفة الهادئة, حيث أنا وهو كانت الحقيقة المفجعة التي استطعت أَن أفهمها من الحديث. قال ذلك الضيف لفرج: - ما بال وجهك شاحب اللون؟ أجابه: -ربما لأني لم أنم جيداً في الليلة الماضية.. – وكيف ذلك؟ قال: -راودت أفكاري تلك الكلمات التي قالتها لي العرافة اليهودية.. ضحك منه ساخراً مستهزئاً: -وماذا قالت لك؟ - أخبرتني بأَن سيكون لي ولد كَمَا كنت أنا, بلا أب.. قاطعه وهو يضحك: -كَم أنت رجل مقيت, مضى على تلك الأحداث أزمنة, ولا زلت تعيش مع شبح ماضيك؟ كانت تلك الكلمات بمثابة الحقيقة المفجعة بالنسبة لي, شَعَرْت برغبة في البكاء الشديد, حاولت أَن أحبس دموعي حتى لا يستيقظ رغيد. وضعت رأسي وخبأته بين وسادتين وبكيت بحرقة, لم أكن أعرف على أي شيء أبكي, هل أبكي عليه لأنه رجل مسكين؟؟ أَم هل أبكي على نفسي لأَن زوجي مجهول النسب؟؟.. ومن بقايا حديثهما, استطعت أَن أفهم بأن اليوم مساءً سنذهب إلى لقاء المسؤول المورد للمجموعة, كان حديثهما غامضاً وكان بلغة لا أفهمها. هذا ما حدث في المساء. قال لي بأن علينا الخروج, نَظَرْت إليه بإبتسامة جاذبة, وأنا أسألْه عما سأرتديه. أخبرني بأَن أقوم بإرتداء تنورة من الجلد مع بلوزة حمرء بصحبة تلك السترة الجلدية التي كانت بلا أكمام, هي ذات السترة التي كنت قد إرتديتها في لقاءنا الأول.. لم أكن أعرف بأننا سنذهب وحدنا بلا رغيد, الأمر الذي دعاني إلى حمله عندما أخذت أصابعه الصغرى تمسك بطرف التنورة وتحاول رفعها بشكل يوحي بالمكر البريئ, مما جعل والده يحاول إبعاده بطريقة تبدو أقرب للعنف منها إلى اللين. ضَحِكْت بجنون وصوت عالٍ, وقلت له ساخرة: -من غير اللائق أَن تغضب منه, فهو يشبهك. وحَمَلْتُه وأنا أقول له: - يا عيون ماما والله يا عمري رح آخدك ورققت الجملة وأنا لا زلت أُقْسِم: - والله والله رح آخدك.. وجعلته واقفاً على الأرض, حتى أنهي المراحل الأخيرة من التبرج المطلوب, وإذا بي أسمع أصوات تنبئ بحركات جنونية غريبة ورغيد يبكي ويناديني.. أَسْرَعْت لأرى ما اللذي يجري, وإذا بذلك المجرم يمسكه من شعر رأسه ويرفعه عن الأرض ومن ثم يرميه على الأريكة.. في تلك اللحظة, لم أستطع أَن أعرف ما هي ردة الأفعال التي قمت بها بعد رؤيتي لأفظع طريقة من طرق التعذيب, وكأني أرى جندي يهودي يقوم بتعذيب الأطفال في المعتقل أمام أَعْيُن ذويهم.. كل ما أذكره بأَني قلت له: -خلص يا مجرم.. أنت مالك بني آدم.. أنت أسوأ مجرم.. وهو لا زال يمسك بيد الطفل, ويقوم بتحريكها بشكل فظيع.. قمت بإنتزاعه منه بالقوة.. جلسنا في ركن بعيد, قمت بإجلاسه في حضني, وأنا أحاول تهدأته قائلة وفي صوتي ارتجاف باكٍ: -لاء يا عمري.. خلص.. لاء يا حياتي.. خلص أنت معي لا تخاف.. كيف لي أَن أقوم بطمأنة طفلي وأنا خائفة؟؟ وضعت قدميه الصغيرة على حضني, وحاولت إرخاء رأسه على كتفي, امتلأت سترتي بدموعه الحارقة والمستغيثة, وَضَعْت يدي على ضهره وضممته إلى صدري وأنا أردد بخوف: -أبوك مالو إنسان حبيبي أبوك مجرم سفاح.. لم أزل أردد تلك العبارات حتى امتلأت عيناي بالدموع, بكينا أنا وهو, وإذا بنا نرى المجرم يحاول أَن يكمل ما بدأ به, وعلى الفور. قمت أنا وهو إلى غرفة النوم, وهو ينادي بفتح الباب, كأنه أسد نُزِع منه المُلْك. لم أزل في ثيابي, أخذْتُه وتغطينا أنا وهو على السرير. وأنا أزيد من ضمه وتقبيله وتهدئته وتهدئة نفسي, ورغم ذلك لا زلنا نبكي أنا وهو خوفاً من ذلك المجرم.. لكنه قام بكسر الباب.. هنا رأَيْت نفسي أمام تلك المواجهة. ضَرَبْت يدي على رُكْبَتاي ووقفت بغضب حتى أخبره بأَني لم أقم بالذهاب معه. قال بنبرة شريرة واثقة: -ستذهبي تولين.. وسحب الطفل من شعره إلى الصالة, ووضع السكين على رقبته وهو يسألني: -هل لا زلتي مصرة على عدم الذهاب؟؟ قمت بالجلوس على ركبتي, وباليد الأخرى أَمْسَكْت رغيد, وَجَعَلْتُه ملاصقاً لكتفي الأيمن, وضممت رأسه إلى صدري وأنا أعلن خضوعي المريض لذهابي معه حيث شاء, وأنا أرجوه وأتوسل به أَن يتركه. لم تَنْتَهِ المفاوضات مع الموت على هذه النتيجة حتى رأيت نفسي أموت في كل ثانية.. قمت بإعادة وضع المكياج على وجهي, وترتيب ما يلزم ومن ثم ذهبنا وتركنا رغيد مع الخادمة الأجنبية, في ليلة باردة بالنسبة للكثيرين, لكنها كانت ناراً بالنسبة لي, وهو يمسك من رقبتي ويدفعني إلى أَن أقوم بالجلوس في السيارة..





via منتديات ماجدة http://ift.tt/1ikfmWK

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق