10.. هذيان غريب, وكلمة السر..
بعد مضي ثلاثة أيام مِن إعلاني عروساً له, بدأَ تلك التناقضات السلوكية بالظهور والتفاقم عند فرج, ربما بَدَأْت أَخْرُج من تحت قاع البحر اللجي وما يحويه من اللآلئ إلى سطح البحر, ولكن شيئاً فشيئاً. بَدَأْت أشعر بأَني لم أكن معه حتى ينعم بالهدوء وبراحة النفس, بدى الأمر بالنسبة لي أكثر وضوحاً عندما قال لي بأننا سنخرج الليلة إلى العشاء بصحبة صديق قديم لي ومعه مسؤول في غاية الأهمية, قال لي بأَنه شريك في إحدى مصانع الغذاء, وبأن هذه الليلة سيقوم بتوقيع صفقة تجارية, طلب مني أَن أجاملهم بنظرات وبإبتسامات, ريثما يتم توقيع الصفقة. أَدْرَكْت بأَنه يريد أَن يجعلني ككلمة السر أو كبطاقة عبور غير مشروع. بدت علامات الإستياء تظهر على وجهي وهو يتابع حديثه ويخبرني ما الذي ينبغي علَي فعله في هذه السهرة. قال لي وهو يحاول تلطيف الأجواء: -حبيبتي تولين, أعرفكي امرأة رقيقة, لا تتوانى عن فعل الخير ما أمكنها ذلك, هذه الصفقة التي سنقوم بتوقيعها اليوم هي صفقة تجارية مشروعة, يعود ريعها لأغذية ممنوعة الإستيراد, وفي ذات الوقت هناك أناس كثيرون بحاجة إلى تلك الأغذية.. وتابع حديثه برقة: -فقط بضع ابتسامة منكي ومجاملة للموجودين من أَجْل فعل الخير.. وفي نهاية المطاف, استطاع إقناعي بإستساغة ذلك السلوك الذي سيصدر مني في تلك الليلة, وفي سائر الليالي المكتظة بالمناسبات الغامضة.. قلت له بإبتسامة حب: -ماذا تريدني أَن أرتدي؟ قال بثقة: -هذه المرة سأترك لكِ الإختيار, أعرف بأَن تولين حبيبتي تمتاز بذوق رفيع. في ذلك المساء, قمت بإرتداء ملابس تتناسب مع حرارة الصيف, وتجمع الأناقة في ذات الوقت.. كان جميعهم ينظرون إلَي بشهوة ولؤم مريض, كل ما استطعت فهمه مِن تلك السهرة الغريبة هي رؤيتي لأوراق وأقلام وحواسيب محمولة. كانوا يتمتمون بكلمات غريبة لا أفهمها, ربما يكون إفراطنا بالشرب منعني من فهم ما يدور حولي بشكل واعٍ, وربما تكون تلك الكلمات حقاً كلمات غريبة أو كلمات سرية, كَمَا كنت أنا في تلك الليلة كبطاقة العبور أو ككلمة السر. عدنا من تلك السهرة في ساعت متأخرة جداً, كان الجو يميل إلى الحرارة التي لا تطاق. أومأ لي بنظرات تدل على أَنه يريدني أَن أكون بشكل يتزامن وحرارة الصيف عند النوم. طلب مِني أَن أتعطر بالياسمين.. نِمْنا بعمق, وإذا بي أستيقظ على هذيانه وهو يقول: -أتوسل إلَيكي أَن تقبلي مني هذه الهدية, جَمَعْتُ نقودها من مصروفي الخاص.. وإستمر بهذيانه وهو يتابع: أرجوكي أرجوكي أتوسل إليكي, نَعَم أعلم بأَنكي تحبين أَن أتوسل بكِ.. ها أنا أتوسل كَمَا تحبين, أرجوكي اقبلي مني هذا الصندوق الخشبي.. لا زال مستمراً في السير نحو طريق الهذيان ومراسمه, حتى صرخ وقال: -لا تتركيني لا تتركيني لا تتركيني.. انتابتني في تلك اللحظات مشاعر عاطفة مستبدة, حاولْت إيقاظه من النوم بهدوء, أَحْضَرْت له كوب ماء, شعرْت بأَنَّه كذلك الطفل اليتيم الفاقد لوالديه, لم يكن المقام مناسباً لعلامات الإستفهام والإستفسار حالي كحال أي أنثى عن تلك المرأة التي ظهرت له في منامه, كل ما أَعْرِفه هو أَني هدَّأْت من روعه, عدْت إلى السرير, ضممته بشدة, وعانَقْتُه وأَخْبَرْتُه بهدوء رقيق للغاية قائلة: -نحن متفقين إنو تولين معك ومارح تتركك أبداً, خلص حبيبي أنا معك لا تخاف.. بدأت تلك الخيوط السوداء من الليل بالإنكشاف, أشرقت الشمس, وأنا لا زِلْت أعيش في غموض, ربما ستظهر الحقائق المشوهة في أيامي القادمة..
11.. ياسمين الأمومة...
عندما استيقَظْت في صباح الشتاء المتطفل على حرارة الصيف.. شَعَرْت بأَن الرغبة في النوم لا زالت تسكن روحي, ولا زالت عيناي العسلية تتفاوض مع الضوء, وهي تحاول أَن ترجوه بأَن يكون لَيِّناً ورحيماً إذا ما فتحت عيناي. عند استيقاظي من النوم, وللدقائق الأولى ظننت أَن رغبتي في النوم ضحية تلك السُحُب التي اتخذت من السماء مسرحاً, بصحبة موسيقا المطر, التي تعزف على نسمات الصباح الشتوي المفاجئ, كنت قَد نِمْت في تلك الثياب الصيفية جداً كَمَا يحبني أَن أبدو له في كل ليلة, لا فرق عنده ما بين صيف وشتاء. وشيئاً فشيئاً, جَلَسْت على السرير, أَزَحْت خِصْلة شعري عن وجهي. وإذا بدوارٍ يعصف بي عندما وَقَفْت, تزامن ذلك مع رغبة في التقيؤ. كُنْت أحاول الكذب بشكل عشوائي, ولكن لا أدرِ على مَن, ربما كان الكذب على نفسي, وربما كانت محاولة للهروب من حقيقة أَني امرأة حامل. أرى بأَني تحت قيود الأمر الواقع, الذي لم يعد بإمكاني أَن أتراجع عنه, باتت تصرفاته أكثر غرابة, بات أسيراً ضعيفاً خلف قضبان التناقضات, مرة أراه شكاك بتلك الدرجة المخيفة. أحياناً يبدو لي كذلك الوحش الكاسر, في إحدى المرات عند عودتنا بالأمس, على إحدى إشارات المرور, اقترب من السيارة شاب رث الثياب, يحمل في يده أطواقاً من الزنبق, وفي اليد الأخرى علب من المناديل. توسل بنا أَن نشتري طوقاً من الزنبق ومن ثم انصرف بعيداً, كنت قَد رأيت عينيه قد أوشَكَت على الدموع من بعيد, ربما يقول في نفسه: -أي ذل وتلك الحاجة اللئيمة التي تدعوني أَن أرجو الجميع أَن يقوموا بالشراء!؟. سرنا بضع خطوات, وإذا به يناديه من بعيد, كانت الطرقات قد خلت من المارة, إذ أَن الساعات المتأخرة من الليل بدأت ببث عقاربها في نسيج ثياب الظلام. تظاهر بأَنه يريد أَن يفاوضه حتى يشتري منه كل ما يبيعه, قلت له بحنان: -حبيبي شكراً لك لأنك ستشتري هذه الأطواق, سيبدو أكثر سعادة بذلك, وسكبت شيئاً من دموعٍ لا إرادية, ضحك بخبث, ونزل من السيارة, وإذا به أراه يوسعه ضرباً حتى كاد أَن يقتله. بردة فعل غير مسبوقة, قمت بالنزول من السيارة بشكل سريع, وأنا أحاول أَن أكفه عنه, عاد إلى السيارة, أمسكت يداه الحجريتان برأسي ومن رقبتي حتى ظننت بأَني سأموت, وهو يقول بخبث: -كل عين ستنظر إليكي سأجعلها كأن لم تكن, تابع كلامه بالتزامن مع صفعة على وجهي وهو يقول: -ربما تعرفينه من قبل. في ذلك اليوم, لم أملك سوى البكاء القليل, وأنا أتأوه من قسوة ذراعه.. وأحياناً يبدو لي قَد فقد رجولته بعدم الغيرة التي ينبغي لكل رجل أَن يشعر بها تجاه امرأته. رغم أَني أرى نفسي تحررت معه, إِلا أَني يوماً بعد آخر, أشعر بخوف وإرتجاف.. لم أشأ أَن يكون هناك مخلوق رقيق يعيش في هذا المستنقع القذر. حاولت إسكات يقيني بذلك الإحتمال الوارد الذي ينص على أَن ربما يكون سبب شعوري بالدوار وإضطرابات المعدة بسبب نزلة البرد المفاجئة, وبدأْت أتفنن بصحة كون الذي حدث معي مجرد نَزْلة برد, جراء نومي شِبْه عارية.. ولكن شيئاً ما قال لي بأَن أتجه إلى ذلك الجهاز الذي يقوم بفحص إذا ما كانت المرأة حامل, وإذا بتلك الحقيقة التي لطالما حاوَلْت الهروب منها.. وفي ذات الوقت, أَحْبَبْت نفسي كأُم حقيقية, أحببت تلك العناية التي تسكبها الأم الرقيقة على طفلها عندما تخاف عليه وتعانقه وتخرج معه بنزهة تحت قطرات المطر. تأخذهما اللحظات الرقيقة إلى ذلك الشعور الذي يجعل الأم ترتدي ثياب الطفولة, المنسوجة برقة الروح. فلطالما أتمنى أَن أعود تلك الطفلة التي تجري تحت المطر وتتسابق مع صبي أو حتى صَبية. وبدمعة الإشتياق لقدوم ذلك الطفل, قمت بوضع يدي حيث يسكن. قلت بحب رقيق: -حبيبي رغيد, أُقْسِم بأَني سأحميك, سأزرع لك أوراق من ياسمين الحب, سأشتري لك كل شيء, سنخرج أنا وأنت سنجري ونلعب تحت المطر.. لم تمضِ لحظات على موسيقا المطر, حتى عادت الشمس إلى ذلك العرش, الواقع في وسط السماء. بالقليل مِن الزينة الأنثوية, وكطفلة, انتظرْت قدومه من العمل, حتى أخبره بأَني سأصبح ماما تولين, بدت على وجهه علامات الخوف القليل وعدم الإرتياح, ولكنه سرعان ما حاول إخفاء ذلك الشعور بفرحة يابسة, وهو يبدي سعادته لذلك الخبر..
via منتديات ماجدة http://ift.tt/1jxSBCR
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق