بسم الله الرحمن الرحيم






الحـروب الأهليـة وبـال عـلى الجميـع !
( المقال للكاتب السوداني / عمر عيسى محمد أحمد )
( المقال للكاتب السوداني / عمر عيسى محمد أحمد )
الحروب بصفة عامة هي سياج من الحمم والنار .. وقودها الناس الكبار والصغار .. والحروب دوافعها كثيرة .. منها الظلم الذي يقع من إنسان على إنسان .. ومنها الأطماع فيما لدى الآخرين .. ومنها النزاعات على المناطق والحدود والمواقع الإستراتيجية والثروات .. ومنها الثأر والانتقام .. ومنها التحالفات الكيدية .. وهنالك أسباب أخرى كثيرة تشعل الحروب بين الناس .. ولكن من أفجع وأنكأ الحروب التي تقع بين الجماعات هي تلك الحروب الأهلية .. وقد كثرت الحروب الأهلية في الآونة الأخيرة في الكثير من مناطق العالم .. وهي من أكثر الحروب انتشاراَ وإزعاجاَ وتكلفة في هذا العصر .. والحروب الأهلية تعني دوامة من المعارك الطاحنة والخسائر الغير محسوبة بمقادير العقل المسبقة .. وغير مسبوقة بدراسات إستراتيجية تجنب الويلات لتكون بالحد الأدنى .. ولكنها حروب فالتة تحرق اليابس والأخضر .. وتؤدي في الغالب إلى جملة من الخسائر المتوالية المبالغة في الأرواح والأصول العامة والخاصة .. وتعطيل التنمية وإيجاد حالات من عدم الاستقرار .. كما تسبب في اتساع النعرات بين الأقوام .. وتسبب في وفقدان الكثير من علاقات الوفاق .. وبسبب الحروب الأهلية تفقد الشعوب والأمم تلك الأجواء العزيزة الغالية من الأمن والسلامة .. بجانب المقدرات الاقتصادية والإنمائية المهدورة التي تضيع في خضم القتال العشوائي والفوضوي المضطرب .. وساحات الحروب الأهلية عادة تكون خالية من موازنات عقلية ذكية تدير الأحداث بالحنكة التي تجنب الويلات .. وتكلفة الحروب الأهلية هي عشوائية متلاحقة مترادفة مهلكة .. والمعضلة ليست فقط في تلك الخسائر المادية والمقدرات الاقتصادية المسخرة وتعطيل التنمية والبناء .. ولكن الكارثة الكبرى تتمثل في تلك الخسائر الكبيرة الفادحة في أرواح الأبرياء من البشر .. فالجانب المادي قد يكون هو الأسهل تعويضاَ وإيجادا .. أما الجانب البشري فلا يمكن تعويضه بأي حال من الأحوال .. ووقود الحروب الأهلية يتمثل غالباَ في كل فئات المجتمعات دون تمييز .. الصغير والكبير الرجال والنساء .. الشيب والشباب والأطفال .. مما يعني أن الخسائر في الأرواح تمثل قمة النكبة في تلك الحروب .. وبطريقة فوضوية قاتلة تفوق تلك الخسائر البشرية في حالات الحروب النظامية العادية .. وسنوات الحروب الأهلية في العالم هي تلك الهالكة المهلكة التي تعرف بسنوات التكلفة المهدورة المفقودة مائة في المائة .. ونيران الحرب الأهلية تطال الجميع في الساحات وتطال مشعلها قبل أن تطال الآخرين .. وهي تلك السنوات التي لا تسترد خسائرها بتعويضات مهما كانت اجتهادات الأطراف المتنازعة .. سنوات عجفاء تشكل قسطاَ ضائعاَ من أعمار الشعوب التي تضل السبيل في معالجة قضاياها .. وفي محصلات الحروب الأهلية فإن الأغبياء فقط هم الذين يتحسرون على الماديات المفقودة أو الأصول المدمرة .. ولكن الخسائر الكبرى تتمثل في ذلك الفقد الجلل في أرواح الآلاف أو الملايين من البشر .. والمعروف أن الحروب تشتعل حين تشتعل لأهداف مستقبلية تجلب الرفاهية والسعادة لبني الإنسان مستقبلاَ .. فالإنسان هو ذلك العنصر الهام الذي من أجله تشعل تلك الحروب .. فإذا كانت الخسائر في العنصر الإنساني والبشري بذلك القدر الكبير الهائل كما هو الحال في ساحات الحروب الأهلية فلا فائدة إذن من فكرة الحرب من أساسهاَ .. والسنوات التي تعقب نهايات الحروب الأهلية هي عادةَ تمثل أهلك وأفجع السنوات في حياة الشعوب المتحاربة .. وتحتاج إلى الكثير من الجهود المضنية والسنوات الطويلة في إزالة آثار المعاناة في جولات تلك الحرب .. ونهايات الحروب الأهلية لا تعني بالضرورة أن تخلق الجنة المزعومة .. فهي لم تكن يوما كذلك .. ولا يمكن تعويض ذلك الهدر الفاضح الفادح الجم الناجم عن غباء الأغبياء .. وهنالك المتوهمون من رواد الحروب الأهلية الذين ينخدعون بتلك الأحلام الواهية التي تلمح لهم بأن نهايات الحروب الأهلية هي تلك الجنان والسعادة الموعودة .. وهي أحلام من صنع الخيال المحض وبعيدة عن الحقيقة وبعيدة عن المنال .. تلك الأحلام التي لم تكن يوماَ متاحة في ساحة من الساحات التي شهدت حرباً أهلية .. إنما هي تلك الحالات الكئيبة التي تعقب الحروب عادةَ في ساحات البؤس والشقاء .. ثم تلك المستلزمات الملحة لإعادة الأمور إلى نصابها .. من أعمال التعمير وإعادة تأهيل الإنسان .. وإعادة الاستقرار .. وإعادة تدوير عجلات البناء والتنمية .. والاجتهاد الدءوب في محاولات تعويض سنوات الحرب الطويلة .. ثم القبول بالواقع المرير حيث الأحوال هي الأحوال .. والظروف هي الظروف .. والإنسان هو الإنسان .. ولا جديد تحت السماء .. والنظرة هنا ليست في عدالة أو عدم عدالة تلك القضايا التي تشعل الحروب الأهلية .. ولكن النظرة في الوسيلة المتخذة في كسب تلك القضايا .. ويأتي دور العقل والذكاء في اختيار الأسلوب الأنسب في كسب قضية من القضايا .. بوسيلة الحروب أو بالوسائل الأخرى .. والعلة دائماَ تتركز في ذلك الإنسان الجامد الغبي الذي يتحرك في إشعال حرب أهلية ضروسة تسبب في فقدان الملايين من الأرواح البريئة .. وتسبب في الكثير من الدمار والضياع والفوضى .. ثم تأتي المحصلات والنهايات لتوجد واقعاَ أشد مرارة من السابق .. والأذكياء في العالم هم فقط الذين يراجعون الخيارات قبل الإقدام .. فيختارون الأسلوب الأنسب لحل تلك القضايا .. وقد ينجحون في كسب تلك القضايا بأساليب أخرى غير أساليب الحروب .. ويتوصلون لنتائج باهرة للغاية .. وتلك النتائج قد تكون أرضا محررة أو مطالب فئوية أو شعبية محققة .. وهنا تتجلى عبقرية ذلك الإنسان الذي يناضل من أجل قضية .. أو يفكر في إشعال حرب أهلية .. فإذا كان مروج الحرب الأهلية هو ذلك الذي لا يحسب حسابات الأرباح والخسائر ولا يقدر التكاليف البشرية والمعنوية ثم لا يضع التكلفة بجانب النتائج المرجوة فهو ذلك الإنسان الطوب الغبي الذي يدخل في حرب مدمرة بغباء شديد .. ثم يخرج من الحرب في النهاية خالي اليدين حتى ولو كان هو الكاسب للحرب .. فهو ذلك الكاسب الخاسر الذي يخسر المقدمة والمؤخرة .. وفي نهاية المطاف يصل لواقع مرير شاق هو أشق وأمر من ذلك الواقع قبل الحرب .. وكم وكم من الساحات اليوم تجري فيها تلك الحروب الأهلية التي تكلف الملايين من أرواح البشر ثم لا تكون النهايات والنتائج المرجوة كما تشتهي السفن .. والعالم اليوم يتعامل مع زمرة من المجموعات التي تخوض الحروب الأهلية بأفكار متواضعة للغاية .. دون أن تكون لديها المخطط الذكي الذي يحارب حين تكون الضرورة في حرب ثم يتحاور ويلجأ للسلم حين تكون الضرورة في السلم .. فالأكثرية الذين يقودون الحروب الأهلية اليوم هم ليسوا بذاك القدر من الذكاء والنبوغ .. وهنالك قلة منهم فقط قد تدخل في معيار الأذكياء .. وفي التجارب المعاشة شاهدنا قمة الذكاء في بعض التجارب لدى جماعات ذكية للغاية .. تلك الجماعات التي أنهت حروبها الأهلية في الوقت الأنسب وبأقل التكاليف البشرية والمادية .. كما جرى الحال في الاتفاقية التي تمت بين بريطانيا وجمهورية ايرلندا وأحزاب أيرلندا الشمالية .. تلك الاتفاقية التي عرفت ( باتفاق الجمعة العظيمة ) .. ذلك الاتفاق الذي وضع حداَ لنزاع وحروب أهلية مذهبية امتدت لأكثر من ثلاثين عاماً .. وقتل خلالها أكثر من 3550 شخصاَ .. وهنا نحس بالمستويات العالية من العقول والمفاهيم .. تلك العقول التي قادت الحروب الأهلية حين وجبت ثم تلك التي أنهت تلك الحروب في الوقت المناسب أيضاَ حين وجبت .. وهي عقول تجيد الحسابات وتستطيع أن توازن بين الخسائر والمكتسبات .. وفي العالم اليوم الكثير من بؤر الحروب الأهلية ولكن قياداتها هي تلك المتواضعة التي لا تعرف الاستراتيجيات .. ولا تعرف غير لغة الموت والدمار .. وهي متواضعة للغاية في تفكيرها وأبعادها .. وليست لديها ذلك القدر من التخطيط والجمع والطرح .. وهي خاسرة حين تحارب سنوات وسنوات .. ثم هي خاسرة كذلك حين تنتهي الحروب .. ومحصلات الحروب الأهلية ليست فيها خاسر وكاسب .. إنما الكاسب هو الخاسر والخاسر هو الخاسر .
( المقال للكاتب السوداني / عمر عيسى محمد أحمد )
ـــــــــ
الكاتب السوداني / عمر عيسى محمد أحمد
via منتديات ماجدة http://ift.tt/1lTSzFZ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق