1- الشفاعة في الإسلام
(يشتمل على : مفهوم الشفاعة - سيد الشفعاء - الشفاعة لأمة الإسلام - الشفعاء يوم القيامة - شفاعة الأعمال - الشفاعة في المجتمع )
مفهوم الشفاعة:
الشفاعة لغة: الطلب والوسيلة، وعرفاً: سؤال الخير من الغير إلى الغير، بمعنى أن يسعى شخص لدى شخص آخر في قضاء مصلحة لطرف ثالث..
فالشافع أو الشفيع انضم إلى كل من المطلوب منه، والمطلوب له فصار شفعاً أي زوجاً بعد أن كان وتراً..
والشفاعة عند الله تعالى ليست كالشفاعة عند البشر، فإن الشفاعة عند البشر قد يفاجأ بها المشفوع إليه، وقد يكون للشفيع تأثير عليه أو سلطة فوقه فيلجئه ذلك إلى قبول الشفاعة..
وقد يستجيب المشفوع إليه خجلاً أو حياء أو انتظاراً لمصلحة تعود إليه من الشفيع..
وهذا وغيره منتف في حق الله تعالى، فالشفاعة الشرعية لها ضوابط:
1- لا أحد يشفع عند الله تعالى إلا بإذنه، ولا يملك نبي ولا ولي ولا ملك مقرب من الأمر شيئاً.. قال تعالى:
" من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " (سورة البقرة).
وقال جل شأنه:
" يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً " (سورة طه آية 109).
وقال سبحانه:
" وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى " (سورة النجم آية 26).
فالشفاعة مرهونة بإذن الله، ومشيئته وسابق عهده ووعده كما نص على ذلك قوله تعالى:
" لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً " (سورة مريم آية 87).
2- الشفاعة ليست خاضعة لإرادة بشر واختياره وليست مطلقة للأهواء والأحساب. بل هي اختيار الله للمشفع فيهم ورضاؤه عنهم..
وفي معرض حديث القرآن عن تكريم الله تعالى للملائكة وتنزيههم عن البنوة لله جل شأنه، قال سبحانه:
" وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون. لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون " (سورة الأنبياء الآيات 26- 28).
وفي أول لقاء لتبليغ الدعوة والجهر بها وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا ودعا قريشاً فاجتمعوا، فقال:
يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رحماً سأبله ببلالها.
3- لا شفاعة لكافر لأنه فقد أساس الثواب وهو الإيمان، وقد تظاهرت على ذلك آيات القرآن الكريم.. قال تعالى:
"ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع" (سورة غافر آية 18).
فالكفر والشرك أظلم الظلم..
وحكم الله على المجرمين، المكذبين بأصول الدين المتمردين على طاعة الله، المستكبرين على خلق الله بأن مصيرهم المحتوم هو سقر ولن يخرجوا من عذابها بأية شفاعة كانت.. قال تعالى:
"فما تنفعهم شفاعة الشافعين" (سورة المدثر آية 48).
4- إن قبول الشفاعة هو فضل الله، يحبو به من يشاء، ومتى كانت الشفاعة بإذن الله ولمن يرضى عنه الله، فتصبح المسألة برمتها خالصة لله رب العالمين، ولهذا قال الله جل شأنه:
"قل لله الشفاعة جميعاً له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون" (سورة الزمر آية 44).
سيد الشفعاء:
إن حكمة الشفاعة هي تكريم الله تعالى للشفعاء، وبيان منزلتهم عنده، وإظهار مكانتهم، التي تفضل الله بها عليهم، وليس للشفعاء من الأمر شيء، قال تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم:
"قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون" (سورة الأعراف آية 188).
وطالما أن الشفاعة تكريم وتفضيل فإن سيد الشفعاء هو سيد الأولين والآخرين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو صاحب الشفاعة العظمى، التي تفرد بها بين سائر إخوانه النبيين، فهو صلى الله عليه وسلم أول شافع أي طالب للشفاعة، وأول مشفع أي مقبول الشفاعة..
وهذه الشفاعة العظمى هي الشفاعة في فصل القضاء، وفي ساحة المحشر حين يشتد الهول على الخلائق وتدنو الشمس من الرؤوس، وتزداد الخطوب حتى يتمنى الناس الانصراف ولو إلى جهنم، ويطوف الناس على الأنبياء بدءاً بآدم عليه السلام ومروراً بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، كلهم يقولون: نفسي نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله..
وينتهي الجمع الحاشد إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فينطلق فيخر ساجداً تحت عرش الرحمن ويلهمه الله من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه لأحد قبله، ثم يقال: ارفع رأسك، سل تعط، اشفع تشفع..
وهذا هو المقام المحمود، الذي يحمد الخلائق فيه سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم .. وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيحين، تصف هذا الموقف وتشرح أحوال الخلائق وتبين فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم..
ونسوق هنا هذه الرواية: قال عليه الصلاة والسلام (كما في صحيح مسلم):
أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذلك؟
يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر (أي لا يخفى منهم شيء ولا يستتر منهم أحد لاستواء الأرض واتساعها) وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟! ألا ترون ما قد بلغكم؟! ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟! فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيدك ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا، فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي .. نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح..
فيأتون نوحاً، فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا، فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي.. نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم.. فيأتون إبراهيم فيقولون أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا، فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي.. نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى..
فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله، فضلك الله برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا، فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي.. نفسي، اذهبوا إلى عيسى..
فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمت الناس في المهد وكلمة منه ألقاها إلى مريم، وروح منه، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا، فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنباً، نفسي.. نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم..
فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا..
فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه لأحد قبلي، ثم قال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعط، اشفع تشفع" ..
وهنا بعض تنبيهات في فهم هذا الحديث:
1- معاصي الأنبياء المذكورة على ألسنتهم في هذا المقام محمولة على ترك الأولى ومن باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولها من التأويل السائغ ما يتفق مع عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
2- قول أهل الموقف لنوح عليه السلام: أنت أول الرسل، أي بعد الطوفان أو هو أول رسول إلى قوم كافرين فإن الرسل قبله بعثوا للمؤمنين، فلم يكن الفساد والاختلاف قد انتشر في الأرض.
3- ألهم الناس البدء بآدم ثم نوح ثم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ولم يصلوا ابتداء إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كي يظهر تفضيل الله تعالى لسيدنا محمد على الخلائق أجمعين، بعد أن امتنع كل الذين سبقوه من الرسل.. ولو حصل ذلك أولاً ما فهم هذا المعنى كاملاً لاحتمال أنه فعل أمراً يقدر عليه غيره..
*******
الشفاعة لأمة الإسلام:
هناك شفاعات أخرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم تختص بأمة الإسلام منها:
1- شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لجماعة من أمته يدخلون الجنة بغير حساب، وفي حديث الشفاعة العظمى بعد أن يرفع الرسول رأسه من سجوده تحت العرش، يقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى ( هجر مدينة في البحرين وهي غير هجر المشهورة بصناعة الغلال وهي من قرى المدينة المنورة، بصرى مدينة بالشام وهي مدينة حوران بينها وبين دمشق ثلاث مراحل وبينها وبين مكة مسيرة شهر).
كما يستشهد على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، فقال رجل: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: اللهم اجعله منهم، ثم قام آخر فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عكاشة.
2- شفاعته صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر والذنوب طالما بقي الإيمان في قلوبهم وقد روى جمع من الصحابة ما يؤكد هذا المعنى منهم أبو هريرة وكعب الأحبار وأنس بن مالك وقتادة، وجابر بن عبد الله..
قال عليه الصلاة والسلام: "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً".
قال الإمام النووي: وفي هذا الحديث بيان كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم، واعتنائه بالنظر في مصالحهم المهمة، فأخر صلى الله عليه وسلم دعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجاتهم.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم "فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً" ففيه دلالة لمذهب أهل الحق أن كل من مات غير مشرك بالله تعالى لم يخلد في النار وإن كان مصراً على الكبائر" ( صحيح مسلم بشرح النووي ج3 ص75).
وهذه الشفاعة اهتم بها الرسول صلى الله عليه وسلم وبكى من أجلها حتى بشره الله بقبولها، ففي صحيح مسلم بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم:
"رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم" (سورة إبراهيم آية 36).
وقول عيسى عليه السلام:
"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" (سورة المائدة آية 118).
فرفع يديه وقال: اللهم أمتي.. أمتي.. وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد، (وربك أعلم) فسله ما يبكيك، فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك".
وهذا الحديث الشريف موافق لقوله تعالى:
"ولسوف يعطيك ربك فترضى" (سورة الضحى آية 5).
فلم يكن عطاء الله لرسوله وقفاً على معان مادية أو ثروات مالية ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطمع في ذلك، فهو صلى الله عليه وسلم الذي اختار أن يكون عبداً رسولاً.
وكمال شفقة الرسول بأمته واهتمامه بمصالحهم الدينية أعظم وأكبر..
(يشتمل على : مفهوم الشفاعة - سيد الشفعاء - الشفاعة لأمة الإسلام - الشفعاء يوم القيامة - شفاعة الأعمال - الشفاعة في المجتمع )
مفهوم الشفاعة:
الشفاعة لغة: الطلب والوسيلة، وعرفاً: سؤال الخير من الغير إلى الغير، بمعنى أن يسعى شخص لدى شخص آخر في قضاء مصلحة لطرف ثالث..
فالشافع أو الشفيع انضم إلى كل من المطلوب منه، والمطلوب له فصار شفعاً أي زوجاً بعد أن كان وتراً..
والشفاعة عند الله تعالى ليست كالشفاعة عند البشر، فإن الشفاعة عند البشر قد يفاجأ بها المشفوع إليه، وقد يكون للشفيع تأثير عليه أو سلطة فوقه فيلجئه ذلك إلى قبول الشفاعة..
وقد يستجيب المشفوع إليه خجلاً أو حياء أو انتظاراً لمصلحة تعود إليه من الشفيع..
وهذا وغيره منتف في حق الله تعالى، فالشفاعة الشرعية لها ضوابط:
1- لا أحد يشفع عند الله تعالى إلا بإذنه، ولا يملك نبي ولا ولي ولا ملك مقرب من الأمر شيئاً.. قال تعالى:
" من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه " (سورة البقرة).
وقال جل شأنه:
" يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً " (سورة طه آية 109).
وقال سبحانه:
" وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى " (سورة النجم آية 26).
فالشفاعة مرهونة بإذن الله، ومشيئته وسابق عهده ووعده كما نص على ذلك قوله تعالى:
" لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً " (سورة مريم آية 87).
2- الشفاعة ليست خاضعة لإرادة بشر واختياره وليست مطلقة للأهواء والأحساب. بل هي اختيار الله للمشفع فيهم ورضاؤه عنهم..
وفي معرض حديث القرآن عن تكريم الله تعالى للملائكة وتنزيههم عن البنوة لله جل شأنه، قال سبحانه:
" وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون. لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون " (سورة الأنبياء الآيات 26- 28).
وفي أول لقاء لتبليغ الدعوة والجهر بها وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا ودعا قريشاً فاجتمعوا، فقال:
يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئاً، غير أن لكم رحماً سأبله ببلالها.
3- لا شفاعة لكافر لأنه فقد أساس الثواب وهو الإيمان، وقد تظاهرت على ذلك آيات القرآن الكريم.. قال تعالى:
"ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع" (سورة غافر آية 18).
فالكفر والشرك أظلم الظلم..
وحكم الله على المجرمين، المكذبين بأصول الدين المتمردين على طاعة الله، المستكبرين على خلق الله بأن مصيرهم المحتوم هو سقر ولن يخرجوا من عذابها بأية شفاعة كانت.. قال تعالى:
"فما تنفعهم شفاعة الشافعين" (سورة المدثر آية 48).
4- إن قبول الشفاعة هو فضل الله، يحبو به من يشاء، ومتى كانت الشفاعة بإذن الله ولمن يرضى عنه الله، فتصبح المسألة برمتها خالصة لله رب العالمين، ولهذا قال الله جل شأنه:
"قل لله الشفاعة جميعاً له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون" (سورة الزمر آية 44).
سيد الشفعاء:
إن حكمة الشفاعة هي تكريم الله تعالى للشفعاء، وبيان منزلتهم عنده، وإظهار مكانتهم، التي تفضل الله بها عليهم، وليس للشفعاء من الأمر شيء، قال تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم:
"قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون" (سورة الأعراف آية 188).
وطالما أن الشفاعة تكريم وتفضيل فإن سيد الشفعاء هو سيد الأولين والآخرين، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو صاحب الشفاعة العظمى، التي تفرد بها بين سائر إخوانه النبيين، فهو صلى الله عليه وسلم أول شافع أي طالب للشفاعة، وأول مشفع أي مقبول الشفاعة..
وهذه الشفاعة العظمى هي الشفاعة في فصل القضاء، وفي ساحة المحشر حين يشتد الهول على الخلائق وتدنو الشمس من الرؤوس، وتزداد الخطوب حتى يتمنى الناس الانصراف ولو إلى جهنم، ويطوف الناس على الأنبياء بدءاً بآدم عليه السلام ومروراً بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، كلهم يقولون: نفسي نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله..
وينتهي الجمع الحاشد إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فينطلق فيخر ساجداً تحت عرش الرحمن ويلهمه الله من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه لأحد قبله، ثم يقال: ارفع رأسك، سل تعط، اشفع تشفع..
وهذا هو المقام المحمود، الذي يحمد الخلائق فيه سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم .. وقد جاءت أحاديث كثيرة في الصحيحين، تصف هذا الموقف وتشرح أحوال الخلائق وتبين فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم..
ونسوق هنا هذه الرواية: قال عليه الصلاة والسلام (كما في صحيح مسلم):
أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون بم ذلك؟
يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الداعي، وينفذهم البصر (أي لا يخفى منهم شيء ولا يستتر منهم أحد لاستواء الأرض واتساعها) وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون، فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟! ألا ترون ما قد بلغكم؟! ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟! فيقول بعض الناس لبعض: ائتوا آدم، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيدك ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا، فيقول آدم: إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي .. نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح..
فيأتون نوحاً، فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا، فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي.. نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم.. فيأتون إبراهيم فيقولون أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا، فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي.. نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى..
فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله، فضلك الله برسالاته وبتكليمه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا، فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي.. نفسي، اذهبوا إلى عيسى..
فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمت الناس في المهد وكلمة منه ألقاها إلى مريم، وروح منه، فاشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا، فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنباً، نفسي.. نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم..
فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا..
فآتي تحت العرش فأقع ساجداً لربي ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه لأحد قبلي، ثم قال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعط، اشفع تشفع" ..
وهنا بعض تنبيهات في فهم هذا الحديث:
1- معاصي الأنبياء المذكورة على ألسنتهم في هذا المقام محمولة على ترك الأولى ومن باب حسنات الأبرار سيئات المقربين، ولها من التأويل السائغ ما يتفق مع عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
2- قول أهل الموقف لنوح عليه السلام: أنت أول الرسل، أي بعد الطوفان أو هو أول رسول إلى قوم كافرين فإن الرسل قبله بعثوا للمؤمنين، فلم يكن الفساد والاختلاف قد انتشر في الأرض.
3- ألهم الناس البدء بآدم ثم نوح ثم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ولم يصلوا ابتداء إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كي يظهر تفضيل الله تعالى لسيدنا محمد على الخلائق أجمعين، بعد أن امتنع كل الذين سبقوه من الرسل.. ولو حصل ذلك أولاً ما فهم هذا المعنى كاملاً لاحتمال أنه فعل أمراً يقدر عليه غيره..
*******
الشفاعة لأمة الإسلام:
هناك شفاعات أخرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم تختص بأمة الإسلام منها:
1- شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لجماعة من أمته يدخلون الجنة بغير حساب، وفي حديث الشفاعة العظمى بعد أن يرفع الرسول رأسه من سجوده تحت العرش، يقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبصرى ( هجر مدينة في البحرين وهي غير هجر المشهورة بصناعة الغلال وهي من قرى المدينة المنورة، بصرى مدينة بالشام وهي مدينة حوران بينها وبين دمشق ثلاث مراحل وبينها وبين مكة مسيرة شهر).
كما يستشهد على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: يدخل من أمتي الجنة سبعون ألفاً بغير حساب، فقال رجل: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: اللهم اجعله منهم، ثم قام آخر فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم. قال: سبقك بها عكاشة.
2- شفاعته صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر والذنوب طالما بقي الإيمان في قلوبهم وقد روى جمع من الصحابة ما يؤكد هذا المعنى منهم أبو هريرة وكعب الأحبار وأنس بن مالك وقتادة، وجابر بن عبد الله..
قال عليه الصلاة والسلام: "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً".
قال الإمام النووي: وفي هذا الحديث بيان كمال شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم، واعتنائه بالنظر في مصالحهم المهمة، فأخر صلى الله عليه وسلم دعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجاتهم.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم "فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً" ففيه دلالة لمذهب أهل الحق أن كل من مات غير مشرك بالله تعالى لم يخلد في النار وإن كان مصراً على الكبائر" ( صحيح مسلم بشرح النووي ج3 ص75).
وهذه الشفاعة اهتم بها الرسول صلى الله عليه وسلم وبكى من أجلها حتى بشره الله بقبولها، ففي صحيح مسلم بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم:
"رب إنهن أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم" (سورة إبراهيم آية 36).
وقول عيسى عليه السلام:
"إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" (سورة المائدة آية 118).
فرفع يديه وقال: اللهم أمتي.. أمتي.. وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد، (وربك أعلم) فسله ما يبكيك، فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك".
وهذا الحديث الشريف موافق لقوله تعالى:
"ولسوف يعطيك ربك فترضى" (سورة الضحى آية 5).
فلم يكن عطاء الله لرسوله وقفاً على معان مادية أو ثروات مالية ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطمع في ذلك، فهو صلى الله عليه وسلم الذي اختار أن يكون عبداً رسولاً.
وكمال شفقة الرسول بأمته واهتمامه بمصالحهم الدينية أعظم وأكبر..
via منتديات ماجدة http://ift.tt/1n6YyJT
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق