Diplome à distance

الثلاثاء، 11 فبراير 2014

رسائل شتوية, مجموعة من القصص المتفرقة بقلمي المتواضع

تقول بعد أَن استيقظت من نومها قُبَيْل المغرب, وقد حملت فنجان قهوتها إلى حديقة منزلهم, في مساء تفوح منه رائحة المطر الأنيقة, وفي يدها الثانية تحمل دفتراً صغير, بصحبة القلم المعطر الذي أهداها إياه قبل رحيله بيومين, ولا زالت حتى الآن تحتفظ بذلك القلم. بعد يومٍ شاق, وبينما أنا عائدة من عملي في وقت الظهر, رأَيْت على الضفة الثانية من الرصيف رَجُلاً كفيف البصر, أو كَمَا يقال عنه باللغة السوقية أعمى أو معاق. شَعَرْت بالشفقة تجاهه, أحسست بأَنه يريد مساعدة ولكن كِبَر سنه وعزة نفسه جعلته يبقى واقفاً على الرصيف وهو ينتظر رحمة الله, فما كان مني إِلا أَن ركضت مسرعةً إليه, ألقَيْت عليه السلام, وسألته قائلةً بحنان وإحترام: -هل أساعدُك يا عم بشيء؟؟ تبسم ضاحكاً وهو يسأَلُني عن اسمي, فأخبرته بأَني أحلام. قال لي بنبرة الأبوة: اسمكي أحلام أو ملاك؟؟ تبدين كحورية من الجنة نزلت على الأرض, في روحكي سماءاً ثانية, تعانقها كواكب من ياقوت الكوثر. وَصَمَت قليلاً ثم أتبع يسألني إن كنت بإستطاعتي أَن أمسك بيده حتى يَعْبُر الشارع, فأبديت سروري بمساعدته. وطلب مني أَن أُجْلِسَه على كرسي قريب, فذهبنا معاً إلى الحديقة الواقعة في الجانب الثاني من الشارع. إن نور البصيرة المنسكب من وجهه جعلني أبقى جالسةً معه لمدة ليست بالطويلة.وأثناء جلوسنا, كان هناك أطفال يغردون كالعصافير, وهم يركضون على العشب الأخضر, ويتأرجحون على الأرجوحة, قال لي وكأنه يراني ويعرفني منذ سنين خالية: يا أحلام, أشعر بأَن بداخلكي طفلة مخنوقة مقيدة بسلاسل من البؤس, يا أحلام, إنكي امرأة سلبوا منها طفولتها وقتلوها وهي لا زالت تسكن فيكي. وعندما تابع حديثه بإستفاضة وإسترسال, بكيت وبكيت وبكيت وبكيت وبكيت حتى كِدت أَن أختنق, وكدت أَن أرتمي على صدره وأنا باكية, فهذا الرجل ليس كفيف, إنه يرى ما كنت عاجزة أنا وغيري عن رؤيته, هذا الرجل الضرير, يرى الحقيقة, أَمَّا أنا وسائر البشر فلا نرى سوى الكذب والنفاق المزخرف. قال لي وهو يهدئ من بكائي: ابنتي أحلام, أشعر بأَن الحيرة والإستغراب قد سكنت وعانقت جمالكي, يا أحلام, لا تستغربي, الرجل الضرير يرى ما لا ترين أنتي والباقون, ابنتي أحلام, إن الرجل الذي تزدرونه وتعطفون عليه يملك ما لا تملكون, فهو يمتلك عيوناً تبصر الأرواح؛ لأَن سائر الوجوه بدت تخضع لصيحات التجميل المعاصر يا بُنَيَّتي. الرجل الذي لا يرى النور هو رجل مرفوض في مجتمعاتكم الشرقية يا أحلام, يا أيتها الملاك, الرجل الذي لا يرى النور ينبغي عليه التنازل عن المثاليات حتى يموت أو حتى يرحل إلى أرض طاهرة بعيدة عن طبقاتكم. يا بنتي, وحده مَن يفقد البصر قادراً على رؤية وتصوير الحب الصادق البعيد عن خبائث الذئاب. وهو يتابع قصته قائلاً: تركني الجميع بعد فقداني لبصري, والبعض منهم بات يعاملني بإزدراء, حتى بلغت منتصف الثلاثينات من العمر, عملت في إحدى الجوامع كإمام, ولا زلت أعمل, بعد أَن تمكنت من حفظ القرآن الكريم. اعلمي يا بنتي بأَن الرجل الفاقد لبصره وحده قادراً على رؤية الناس بقلب طاهر وبنقاء صافي كالنهر, فهو يرى الأشياء بطهر بعيداً عن النزوات. رغم أَني مسرورة بجلوسي معه, إِلا أَني أَدْرَكْت بأَن علَي الإنصراف, فحديثه الرقيق يجعلني أبكي بصمت خانق حتى لا يشعر بأَنه يجرح كبريائي, قمت بالإستئذان منه بلطف, وسأَلْتُه إن كان يريد مساعدة قبل إنصرافي, فشكرها على لطفها وجلوسها معه للحظات وهي تؤنس ظلام عينيه بشعلة من الأمل, وتقول: لو كنت أعلم بأَن الحياة الطاهرة توجد عند فاقدي البصر, لكنت قَد تمنيت أَن أكون مخلوقة وأنا كفيفة البصر.

من سلسلة رسائل شتوية.

حسام الداوود.





via منتديات ماجدة http://ift.tt/Nz2fsq

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق