14. وحيد..
لم تغِب عن ذاكرتي تلك المشاهد الوحشية, لا أَعْرِف كيف يمكنني الذهاب معه إلى سهرة اليوم وأنا لا زلت أعيش كعصفورة خلف قضبان الإرتجاف.. أَغْلَقْت باب الغرفة, حتى أُعيد تسريح شَعْري. كان الجو بارداً, الأمر الذي دعاني إلى ارتداء معطفي الجلد الأَسْوَد الرقيق. فَكَّرْت في خلع السترة قبل ارتداء المعطف, لكني خَشيت على نفسي من نوبة برد. ها هي الساعة تشير إلى الثامنة مساءً, ولكننا ينبغي علينا الخروج في وقت مبكر تفادياً لما قد تتسبب به الأمطار التي قد تهطل في التأخر عن الحفلة الكبرى على حد زعمه. قمت بتمليس التنورة والسترة بيدي كلمسات أخيرة, ارتديت المعطف, بخطوات مترددة متعانقة ما بين شعوري الأنيق كأنثى أنيقة, وما بين الخوف من ذلك الوحش الكاسر, كانت أطرافي ترتدي ثياب من الرعشات الخفيفة. ألقيت نظرة أخيرة على المرآة قبل خروجي من الغرفة, وإذا بي أَسْمَع من الغرفة المجاورة صراخاً رهيب, إنه رغيد, لا زالت مخيلته الصغيرة أسيرة خلف قضبان التعذيب البشع, بعد خلوده إلى النوم بصعوبة, إذا به يصرخ مستغيثاً قائلاً بصوت عالٍ وهو يبكي: -مامييييييييي...ماميييييي... يا إلهي, ما الذي يجب علَي فعله؟؟ إن رآني أذهب إليه حتى أرى ما به ربما يقتله ذلك المجرم.. ولكن رغبتي إلى ضم رغيد وتهدئته فاقت ذلك الخوف, إذ أَني أَعْلَنْت استعدادي بأَن نموت معاً فيما لو قام بالدخول علينا, ولكني رأَيْتُه قد خرج إلى حديقة المنزل, وإتجه للخروج إلى السيارة وهو ينتظرني. وبلا تردد ركضت إلى رغيد, وهو لا زال تحت تأثير ذلك الكابوس.. لم يكن يدرك بعد بأَني قَد أَصْبَحْت بجانبه وبأَني جلَسْت على طرف سريره وجعلْت رأْسه في حضني, وهو لا زال يصرخ بخوف, على الرغم من أَن يدَه الصغيرة قد أَمْسَكَت بكتفي, واليد الأخرى جَعَلَت تتشبث بمعطفي, وجَعَل رَأْسُه في المنتصف من جسدي, وهو يبكي مرة بإرتجاف ومرة بخوف وهو يناديني قائلاً: -ماميييييي....مامييييييي.....ماميييييييييي... بس يا عمري خلص والله أنت معي لاء يا عمري لاء.. خلص والله ما حدا رح يقدر يلمسك.. كنت قَد وضعت مرفقي على طرف الوسادة, وضممته إلى صدري, أجلسته برفق وَقَبَّلْتُه وبَكَيْت معه.. قلت له بهمس رقيق, ولا زالت آثار البكاء في صوتي: -خلص حبيبي أنا هلأ رايحة مشوار لما ارجع رح عانقك وننام بس أنا وأنت... وعند قيامي, لا زالت أصابعه الصغرى تمسك بتنورتي ومعطفي, يريدني أَن أبقى. الأمر الذي زادني حزناً على مفارقته, أَمْسَكْت بيده وقبلته وضممته وأنا أقول له بشوق وحب: -والله راجعة لعندك يا عمري خلص.. زادت الأجواء برودة, حتى ظننت أَننا سنكون ضحايا لموجة سقيع مستبد. بدى ذلك واضحاً على كل شيء.. ازدادت الأبواب في صريرها, حتى جفاف الشحوم والزيوت في السيارة بدى واضحاً عند السير ووجود المطبات وزيادة السرعة.. وصلنا إلى الفندق الكبير.. اتجهنا إلى الصالة الخاصة بالإحتفالات التعلقة بكبار الشخصيات.. كانت الوجوه هي ذاتها التي رأيتها يوم زفافي, وكانت هناك وجوه توحي بالغرابة والخبث, كأنهم لم يكونوا من العرب. قاموا بالترحيب بنا, أحدهم نظر إلَي بلؤم وأثنى على أناقتي, وقام بالمزاح معي عندما كان أنفي أحمر من شدة البرد... وبدأ الحديث فيما بينهم: -دعونا نتناول شيئاً خفيفاً, في حضرة الجميلة تولين.. حاوَلْت أَن أضحك معهم وأشاركهم في المزاح والضحك, كوني امرأة جميلة أنيقة, حالي كحال السيدات اللاتي تأتي بصحبة رجال الأعمال, حتى تكون كلمة السر لسائر الصفقات الكبرى... بادرهم فرج بالسؤال عن توقيع العقود والإطلاع عليها, فنظر إليه أحدهم بشيء من المكر.. بعد أَن غمز الذي على يمينه, ثم صمت قليلاً وقال: -هذه السهرة ستكون طويلة, سنمضي وقتاً رائعاً مع هذه الجميلة وسائر الجميلات ونشرب نخب الجمال, ومن ثم نتناول العشاء, وفي آخر ساعات الليل سنقوم بالتوقيع وفرز الحصص. لا أعرف لماذا هذه المرة شَعَرْت بإشمإزاز ونفور من طقوس السُكْر والتمايل والضحك.. في هذه المرة, أَرَدْت أَن أكون حرة وأَن لا أشرب معهم وأشاركهم في الشرب.. وبينما هم في سُكْرِهِم يخوضون, إذا بشاب رأيته من بعيد, لم يكن غريب الوجه.. كان يقوم بالعمل في المطعم ويقدم لهم الضيافة.. كأنما كانوا ينظرون إلى ثيابه بإزدراء وإحتقار مقيت. كانوا يحبون الضحك عليه وإذلاله, ويتمثل ذلك الشعور في مناداته بثَمَل: -وحيد.....يااااااا.....وحيد... وإذا ما اقترب منهم قاموا برمي بقايا الطعام على الأرض وطلبوا منه أَن يزيلها, وهم ينهالون عليه ضَحِكاً.. لم أكن قادرة على احتمال المزيد من السُخْرية على هذا المنظر.. تَرَكْتُهُم في سكرهم وفجورهم وذهَبْت إلى ركن آخر بعيد جداً.. كان قريباً من إحدى الأجنحة الصغيرة.. لم يكن وجه وحيد غريباً علَي.. بدأْت أغوص في بحار الأسئلة: -هل يعقل أَن يكون ذات الشاب الصغير الذي اشترينا منه أطواق الزنبق والياسمين على إشارة المرور؟؟ هل يعقل أَن يكون ذاته الذي تعرض له زوجي بالضرب عندما رفت عيناه إلَي بنظرة محبة بريئة من بعيد؟؟ شَعَرْت بشيء من الدوار.. جَلَسْت على أريكة بجانبها طاولة من خشب.. على تلك الطاولة كان هناك دفتر أحمر اللون, تنساب من أوراقه عطر الياسمين.. انتابني حب الإطلاع على محتوى ذلك الدفتر.. كان هناك قلم قد استوطن في أطراف صفحاته.. وقد كُتِب فيه: ( زيزفون.. قبل أَن أغادر المدرسة, وبينما كنت في السنة المتوسطة الأولى, قام الأساتذة بتعليمنا تلك الحقيقة القائلة بموت سائر الكائنات على وجه الأرض.. الإنسان.. والحيوان.. وحتى الزهور الرقيقة والنباتات.. أختي زيزفونتي, ربما لم يُسْعِفنِي القَدَر لتحويل باقي المبلغ بغرض علاجكي من تلك الجرثومة اللعينة.. هل تعرفي يا زيزفونتي حبيبتي بأَن حديقتنا المتهالكة أنا وأمكِ المقعدة قَد خَسِرَتكي منذ أَن فارقتي الحياة وأنا كل يوم أشتاق إلَيكي وأبكي على كل فرحة.. لم تعد هناك فرحة منذ رحيلكي.. بَقيْت بلا مدرسة عندما عَلِمْت بذلك المرض الذي استوطن في جسدكي الطاهر, قُمْت بالعمل على إشارات المرور في بيع الزنبق والياسمين, حتى أكمل لكِ باقي المبلغ, عسى أَن تكون رائحة الزنبق ملَك كريم طاهر يوصل اشتياقي إلى حيث تقيمين في تلك الروضة, لطالما كنت أرى في أطواق الزنبق ضفائر شَعْرَكي الأسود يا زيزفوني.. وفي إحدى المرات, بينما أنا كنت على إحدى الإشارات.. رأَيْت بنتاً من بعيييييد تشبهكي تماماً.. أقسم بحق روحكي الطاهرة أَني لم أكن أقصد أَن أمسها بسوء.. كانت تشبهكي في كل قطعة من جسدكي الطاهر..) وإذا بعلامات تدل على أَن جزءً من الورقة قد تبلل بالدموع.. في هذا المقام. أَدْرَكْت بأَنه هو ذات الشاب الذي قام ببيعنا أطواق الزنبق وتعرض للضرب.. فقط لأنني كنت أذكره بأخته الميتة من بعيد.. بكَيْت بحرقة, دعوت على يديه بالكسر, تمنيت لو أَنه يموت من السُكْر والشرب في ذات الليلة.. نَعَم.. لم تكن نظرات الشاب من بعيد عند الإشارة توحِ بقلة أدب أو حتى تسول. حتى أَنه لم يُطِل التحديق بي. أحسست عندإذن بأَن ثمت سبب أليم من تلك النظرة.. وبخطوات منكسرة, رأَيْتُه قادماً من بعيد, يمسح دموع ذله وقهره من أولئك الأوغاد. ربما كان قادماً إلى حيث وجود الدفتر, حتى يشكو إلى روح زيزفون أَنه تعرَّض للذل من أجلها مراراً وتكراراً, ولكنها ماتت وتركته.. سأَلَني بإستحياء قائلاً: -هل مِن خدمة أو شيء أُحْضِره لكِ؟؟ حاوَلْت أَن أمسك نفسي عن البكاء من أجله ومن أجل أخته, التي ربما كانت تعيش تحت سيوف قاتلة من الشرق, حتى وإن ماتت وكانت ضحية جرثومة لئيمة استوطنت في دمها.. بادرْتُه بالسؤال: -هل أنت وحيد؟؟ أَقْصِد هل اسمك وحيد؟؟ قال بنبرة عادية: -نَعَم أنا هو هل تريدي شيئاً أقوم بتقديمه لكِ؟؟ كانت نظراته إلى الأرض. ربما يكون شاباً يمتلك ذلك الأدب الطاهر, وربما كان يشعر بالذل والقهر من مكانته, فقد استطعت أَن أُدْرِكَ بأنه تذكرني جيداً.. ولكن, رغم تلك النظرات التي كانت لا تتجاوز حدود الأرض, إِلا أَني لا زلت أرى في عينيه نظرات تذهب إِلَي بصمت مهيب موقر. كانت تلك النظرات توحي بأَنه يود الإرتماء في حضني ويقول بأَني أنا هي أخته زيزفون.. طَلَبْت منه بإحترام رقيق أَن يجلس, كان يشعر بتردد في ذلك, لولا أَني قمت بالإصرار عليه بالجلوس على الأريكة المقابلة.. أَخْبَرْتُه أَني قد قمت بقراءة الدفتر, عندما ظننته دفتر عادياً ولم أكن أعرف بأن ذلك الدفتر له.. ابتسم وقال: - لا عليكِ.. أنا وأختي زيزفون توأم. أخذ الدفتر من على الطاولة, قام بفتح الصفحة الأخيرة, وإذا به يريني صورتها, إنها حقاً تشبهني.. بدأ يسرد لي حيثيات مرضها, وسوء وضعهم المادي آن ذاك. وكيف توفي والده... وَلَمّا شَعَرْت نفسي على وشك البكاء, حتى هو كان على وشك البكاء, قاطعْتُه قائلة, وأنا أضع مرفقي على طرف الطاولة وإزيح خصلة من شعري: -اسمي تولين. وبنبرة تعانقت مع القليل من البكاء الرقيق. قلت له: -هل تقبل مني أَن أكون مِثْل أختك زيزفون على اعتبار بأني أشبهها؟؟ مددت يدي ببطأ, أطلب المصافحة, اكتسى وجهه باللون الوردي, الذي كان يدل على الخجل من المصافحة, حاوَلْت أَن أرسم ضحكة مزيفة وأنا أقول: -هل أنت من الشيوخ الصغار التي لا تصافح النساء؟ ولكني أنا أختك زيزفون, بس اسمي تولين.. مد يده بخجل وصافحني, ولكن دموعنا نحن الإثنين لم تكن لتطلب الإذن بالنزول. قرأْت من تلك الدموع الهاربة بأَنه اشتاق إلى زيزفون أخته, بلا تردد قمت بمعانقته, وهو يزيد في بكائه الصامت. ووضعت رأسه على كتفي الأيمن.. نَعَم.. هذه المرة لم تكن المعانقة حميمية, كانت معانقة لجوء وإشتياق لمن رحل عن الحياة ورأينا جسده عند شخص آخر.. قُلْت له بإصرار: -حتى تكون زيزفون سعيدة عليك أَن تقوم بإكمال دراستك.. قال بنبرة تشاؤمية: -أنا خلقت حتى أكون ذليل فقط.. قاطَعْتُه قائلة بنهي: -لاء يا وحيد.. أنت ستكمل دراستك. وأنا سأساعدك. وإياك الرفض, حتى تسكب الفرح على روح زيزفونك.. بَقيْت أنا ووحيد قرابة الساعة والربع تقريباً.. حاولْت الإعتذار عن تصرف زوجي الأحمق, ولكنه قال لي: -لا تكوني مهتمة.. وأخذ يلقي تلك المبررات المزيفة لتصرفه.. ربما يكونوا قد استفاقوا من سُكْرِهِم. استأذنْته بالإنصراف, وقمت بتوصيته أَن يكون لطيفاً مع روح زيزفون, وأَن يقوم بإخبارها بأنه بخير.. أخبرته بأني سأكون معه في كل خطوة.. عُدْت إليهم, ولا زالوا تحت تأثير ذلك المخدر, وهم يسألون عني بحنق: -أين كنتي ذهبت تلك الأميرة وتركتنا؟.. قمت باللعب معهم بذات اللعبة وأخبرتهم بميوعة عندما جَلَسْت ولففت قدمي على الأخرى, وبأصابعي قمت بتمليس تنورتي وأنا أضحك وأقول ساخرة: -الأميرة لم تغادر, ولكنكم أنتم غادرتم وتركتموها.. وبعد أَن أفاقوا من مجونهم. حان الوقت لتوزيع الحصص وإمضاء العقود.. لم تكن حصة فرج من الصفقة كَمَا كان متوقع. شَعَر بأنهم يقومون بالضحك عليه, قام بنقاشهم, ازداد النقاش. ذلك المسؤول الذي كان ينظر إِلَي بخبث منذ وصولنا قال لفرج بتهكم: -ما الذي يهمك من حصتك من صفقة الأسلحة الكيماوية إذا كانت لديك صفقة جمال رابحة اجتمعت في أميرة الأكوان, تولين. قمت بالضحك والمجاملة وأنا أشكره بنبرة رقيقة ولطيفة. مما أثار ذلك التصرف غضب فَرَج, الذي قام بتكسير الأكواب على الأرض, وسط ضحك الجميع عليه. وقام بسحبي من يدي بقوة مؤلمة, وذهبْنا وسط قهقهة كبيرة من ذلك المسؤول الكبير وهو يقول له من بعيد: -وَغْد وضيع, ربما نسيت ماضيك.. وهو يجرني من يدي ومعطفي دفعني بقوة إلى المقعد الأمامي بالسيارة. كنا نسير بسرعة جنونية, وعند وصولنا إلى حديقة المنزل, شدني من شعري وأنا أصرخ ألماً: -آا...آاااا... بس يا مجرم خلص.. وهو يتهمني بأَني متواطئة مع ذلك المسؤول وعلى علاقة معه.. وفي كل مرة, أعود إلى نفسي التي باتت تهرب مني. وكأنها هي الأخرى لم تكن تريدني. كانت نفسي لساناً ناطقاً بإسم جميع مَن تخليت عنهم, بتلك الأعذار التي لا تنطلي حتى على ابني رغيد.. أخيراً عادت بي ذاكرتي إلى الوراء, تَذَكَّرْت إلياس, ذلك الشاب الكفيف البصر. وحده الذي كان باقٍ معي حتى الرمق الأخير, كان يصدقني عندما كنت أتحايل عليه بالإنشغال وعدم قدرتي على الرد. حتى بَدَأْت أتوارى عن الجميع وقمت بتغيير رقم هاتفي.. ما الذي كان يريده شاب كإلياس من تولين؟؟! وقامت نفسي بمعاتبتي: -ما هو الذنب اللذي ارتكبه إلياس حتى يستحق منكي الجحود والإختفاء المفاجئ من حياته؟؟ كنتي تتحدثين مع رجالٍ كُثُر, وتركتي إلياس.. وها هي العينة الخبيثة من الرجال قد سكنت معكي في بيت واحد, وينام معكي على ذات السرير, ويأخذ المتعة منكي بلا مراعاة لرغبتكي في ذلك أو عدم رَغْبَتكي.. أُدْرِك في كثير من اللحظات بأَني هَرَبْت من مستنقع ضَيِّق خبيث الرائحة, مياهه من تقاليد تربوية راكدة.. إلى مستنقع أكبر ولكنه أَخْبَث. كنت تلك البنت التي كانت ترى نفسها مختلفة عن مثيلاتها, ليس لها مغامرات مجنونة كقريناتها, فَتَحَت عيناها على أَن الحرام يكون فقط على البنت, أَمّا الفضيحة فتكون محللة للذكور.. لم أَكُن مذنبة.. ولم أكن أنا السبب فيما أنا عليه. بل كانوا هم السبب. قُمْت بكره الصلاة وسائر العبادات بسببهم. ولطالما كنت أقول بأَن الدين جاء لحفظ كرامة البنت, ولم يأْتِ لإذلالها وحرمانها أو تضييق الخناق عليها. كنت كتلك السمكة التي كَبُرَت ولم يعد لها قدرة على السباحة في وُحُوُل قذرة من سوء المفاهيم. وكأننا في مدينة فاضلة. خطيئتها الوحيدة وجود البنت.. عندما تعرفت على فَرَج, لم تكن تهمني تلك الجزيرة, التي رميت نفسي وجسدي عليها بعدما أنهكني التعب. كنت فقط أريد الهروب. ربما لو بقيت أنتظر نصيبي من الزواج التقليدي لأصابني الإختناق, كان فَرَج هو ذلك المستنقع الكبير القذر, ذلك المستنقع الذي لطالما سَبَحْت في مياهه الراكدة وأنا لم أكن نادمة, ولكني كنت أرى نفسي مرغمة, حتى تتعطر أنوثتي بعطور اسمها التحرر, وحتى أكون شبيهة بتلك وتلك.. تزامَن ذلك الحوار مع ذاتي ما بين خطواتي التي كانت تقودني إلى الصالة وشعوري بالتعب الشديد والخوف الذي ينتابني. وجلوسي على الأريكة. وما بين اتجاهي إلى غرفة حبيبي رغيد, الذي وَعَدْتُه بحب أَن أنام معه على ذات السرير, ولا أبالي بتلك المشمعة التي وُضِعَت تحت أي طفل صغير.. لم أكن بَعْد قَد خَلَعْت ملابسي وتنورة الجلد التي كنت أرتديها. كل ما أذكره بأَن خطواتي قادتني إلى سريره, عانَقْتُه وضممته. أَعَدْت وَضْع رأْسُه على الوسادة, وأنا أقول له كأي امرأة تناجي حبيبها.. نَعَم.. حبيبها..: -يا عمر مامي أنت. أنا هلأ نايمة بجنب أحلى وألطف وأرق ملاك ربنا عطاني ياه.. ومن حديثي ذلك الريق المتعانق مع شَهْد أنيق ينساب على ضفاف الشفتين لأي عاشقة. لم أُدْرِك بأَني نمت بملابسي, إِلا عندما صحوت على تأوهه وأنينه, وهو يناديني بصوت يوحي بالنجاة ليقول بصوت حنون رغم تلعثم الحروف: -مامي..ما...مممم...ميي.. أنا عطشان. عندإذن.. أَدْرَكْت بأَني لا زلت بملابس تلك السهرة المقرفة, ولا زلنا أنا ورغيد تحت تأثير ذلك الجللاد, المتفنن في التعذيب النفسي والجسدي على حد سواء.. كأنه سجان في إحدى المعتقلات.. وحبات المطر تنساب بخفية في ذلك الليل المظلم. استَيقَظْت من نومي العميق على رغبة رغيد بالشرب. وبنبرة بدت عليها آثار عمق نومي قلت له بحنان: -حبيب قلبها لتولين... ما بهون عليي اتكون عطشان وأنت مع ماما تولين يا نور عيونها لماما. يالله حبيبي رح نشرب.. قَبَّلْتُه وأحضرت له كوب ماء صغير.. كان ذلك قبل خَلْع ملابسي. بعد أَن شَرِب.. أَعَدْتُه برفق إلى السرير.. فَكَّرْت أَن أَعيش لحظات حميمية, ولكن مع طفلي, رغم أَني في كثير من اللحظات, أعشق أَن أُظْهِر جسدي الأنثوي للعقلاء, حتى تكتمل السلسلة الأنيقة.. ولكني في الفترات الماضية اجتاحت روحي ومشاعري أمزجة مقرفة, هذه الليلة, أَرَدْت أَن أعيش طقوس الجسد المثير والملابس المثيرة بلا ذئب لئيم, يمارس معي مراسم التلذذ بإيلام الفريسة.. على الرغم من شدة البرد.. وموجات السقيع العاصف التي رسمت ألواحها على أطراف السرير الممزوجة ما بين الحديد والخشب. وعلى جفاف شحوم وزيوت كل مركبة تقوم بالمرور بسرعة جنونية والصعود بسرعة على المطبات العالية.. رَشَشْت عطر الياسمين له فقط. كنت أشعر بألم شديد في أطرافي, الأمر الذي منعني أَن أقي نفسي من البرد بإرتداء بجامة.. قمت بتمليس المُشَمَّعة من المنتصف والأسفل.. كان جلوسي على السرير بشكل تدريجي من أجل النوم.. ومن ثم عانقته وحضنته بشدة ونمنا بسكينة وسلام أنا وهو فقط..
via منتديات ماجدة http://ift.tt/1iFLcTu
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق