Diplome à distance

الخميس، 26 يونيو 2014

أوراق الياسمين الجزء الخامس عشر. حسام الداود.


15.. شبح الثورات..

كانت تلك الليلة التي نِمْت مع رغيد على ذات السرير, هي الليلة الوحيدة التي شَعَرْت فيها بالأمان منذ زمن بعيد. نَعَم.. شَعَرْت بأَني في أمان مع طفل صغير!! ربما نحن الآن في زمن العجائب. بَدَأْت بالبحث عن سبب ذلك الشعور, هو حقاً طفلي حبيبي, الذي منحني الله إياه, حتى يكون كعصفوري الصغير, الذي يغرد بتلك الموسيقا كلما شَعَرَت ذاتي بالضجيج.. وفي ساعات النهار الأولى, اضطُرِرْت للنهوض. عندما شَعَرْت بشيء بسيط من التلبك المعوي, هذه المرة كنت متأكدة بأَن سبب ذلك هو البرد الشديد وموجة السقيع التي نعيش فيها. لم تكن تلك الأعراض أعراض حَمْل؛ لأَني استطعت أَن أقوم بأخذ الحبوب المانعة؛ رغبة مني بالخروج بأقل الخسائر إذا ما تم الإنفصال يوماً. ولكن لا أعرف كيف ومتى سيكون ذلك.. كنت متأكدة بأَن سبب ذلك التلبك المعوي البسيط هو حصيلة البرد الذي تعرضنا له ليلة البارحة, وخَلْع ملابس السهرة, والتعب والإنهاك الشديد الذي نهاني عن القيام بإرتداء البجامة والنوم تحت الغطاء فقط بملابس قصيرة جداً.. كنت أسأَل نفسي: -ما الذي يمنعني من النوم بشكل مثير أمام طفلي إذا كان لا يدرك.. قمت بفتح ستارة النافذة, التي بجانب السرير. كانت الأرض باردة جداً. عندما خَرَجْت من تحت الغطاء, شَعَرْت بذلك السقيع الرهيب. الأمر الذي أدى بي إلى عودتي بشكل سريع إلى السرير والنوم تحت الغطاء, بعدما قمت بإزاحة رغيد برفق, وضمه إلَي وحمايته من البرد.. وقد قمت بوضع يدَيه الصغيرتين بين شعري وصدري.. وقمت بتقبيل أصابعه الصغيرة البيضاء.. التي كانت كقطع الثلج الأَبْيَض. كُنْت أَسْمَع من بعيد أصوات الرعود, التي كانت كالإيقاعات المرافقة لموسيقا المطر.. ولكني وفي ذات الوقت, كنت أسمع دوي يطغى على إيقاعات الرعود, هي إيقاعات الموت, التي تعزف إكراماً لقدوم شبح الثورات.. هي ثورات الشعوب على حكامها, هروباً من كل ظُلْم وطغيان.. أو هكذا يَدَّعون.. لم أَقُم بالدخول في متاهات مفاهيم الثورات, غير أَني أخَذْت رغبة الشعوب وقمت بإستعارتها كثوب قامت روحي بلبسه مؤخراً. حتى أنا في تلك الفترات الماضية, كنت قد تمَرَّدْت على نفسي هروباً من سلاسل الطغيان, التي كانت تكبل روحي وأنوثتي حتى الإختناق. تلك السلاسل التي جَلَدَت ذاتي حتى تخديرها من شدة الألم.. الأمر الذي دعاني إلى المداواة بذات الداء.. بدأت السماء ترتدي ثوبها الأزرق على استحياء, على الرغم من السقيع. وبينما أنا أداعب رغيد على السرير, تَذَكَّرْت بأَن علَي الذهاب, رغم أَن وجود رغيد معي سيكون غير مناسب. إِلا أَني لن أَتْرُكَه بمفرده في ظل اضطراب الأوضاع.. والخوف عليه من نزلة برد.. كنت على وَشَك أَن أَتْرُكَه نائماً كالملاك الصغير, ولكن خوفي عليه منعني من ذلك الفعل.. قمت بوضع أصابعي الباردة في شَعْرِه برفق, ومن ثم تقبيله من خده وأنا ألاطفه: -حبيبي.. يالله يا عيون ماما.. ماما تولين بنفسها تطلع مشوار هي وأحلى طفل... إتَّكَأْت بمرفقي على الوسادة, جَلَسْت قليلاً, قمت بأخذه وأجلاسه في حضني ووضع رأسه وشيئاً من جسده على صدري, وأنا أوقظه بشكل رقيق: -يسعد صباحك يا عمري.. حياتي أنت.. يالله خلي عصفوري الصغير يفيق مشان يلبس ويروح مع ماما تولين مشوار.. وأنا لا زلت أقبله بحب ورفق, حتى يصحو بذلك الحنان.. كان كأي طفل يصحو من نومه, يبكي بشكل متقطع, ولكني أنا وحدي القادرة على ضمه وإحتواء بكائه, حتى نحن الكبار عند إستيقاظنا من النوم, ربما يعتري أمزجتنا شيئاً من الكدر, والرغبة في النوم في ظل الأجواء الباردة.. بعد أَن استيقَظ, قمت بوضعه على السرير وإعادة وضع الغطاء حتى لا يصاب بالبرد.. ولم ألبث من أَن أنهض من السرير, حتى بدى ببكاء كسول, وهو يناديني: -مامي... عُدْت إليه, وجَلَسْت على طرف السرير, وأخبرته بثقة وميوعة: -والله راجعتلك يا عمري أنت.. إتَّجَهْت إلى غرفتي حتى أَقوم بتجهيز نفسي.. وفي ظل برودة الأجواء وموجة السقيع التي جمدت كل شيئ, من غير المعقول أَن أرتدي تنورة جلد, قمت بإرتداء بنطال جِلْد أسود مع بلوزة جلد رقيقة حمراء بلون غامق, وسترة جلد سوداء رقيقة ولكنها بأكمام طويلة.. قلت من بعيد بصوت يشبه تغريد العصافير: -راجعة ماما تولين... راجعتلك ماما تولين يا عمري.. عُدْت إلى غرفة رغيد حتى أقوم بتجهيزه. قمت بإلباسه معطف من الفرو بقبعة. حَمَلْتُه وإتجهنا نحو الخروج, كانت سيارة الأجرة التي قمت بطلبها قد وصلت في الموعد المحدد, كان السقيع كالعادة قَد طغى على شحومها وزيتها بالجفاف, حالها حال أي مركبة, الأمر الذي بدى واضحاً حتى من قدومها من بعيد. كانت خدود رغيد البيضاء مثيرة للقَرْص اللطيف؛ لأنها كانت كالكريما البيضاء الباردة مع حبات الفراولة. الأمر الذي دعاني إلى قرصه بلطف, ومن ثم حمله وإنزاله وهو لا زال على ذراعي, وقد ترافق ذلك بشيئ من الضحك, ثم ضممته وَجَعَلْت رَأْسه على الطرف الأيمن ما بين رقبتي وكتفي, كان ذلك متزامناً مع صعودي إلى السيارة الحمراء اللون. قلت له بهمس وحب: -سلامتك من البرد يا حبيب مامي.. لو بيطلع بإيدي لحتى رجعك على قلبي وخبيك حتى ما تبرد, كان ينام مرة ويستيقظ مرة أخرى وهو يبكي, ويقوم بنقل رأسه مرة من ذراعي وحضني, إلى صدري أو كتفي الأيمن. وأنا أحاول تهدئته قائلة بصوت رقيق: -ليش حبيبي مو رايق اليوم؟ احكيلي يا عمر مامي بشو حاسس؟؟ وكنت على وشك البكاء معه وتابعت قائلة: -حبيبي بيبكي وهو مع ماما تولين.. أنت هلأ بحضني ورايحين مشوار حلو, لا تبكي يا عمري ماما تولين معك.. لم يكن الوقت الذي قضيناه في خارج المنزل وقتاً طويلاً, رغم سوء المزاج الطفولي, إِلا أَني أشعر بمزيد من الحب حال خروجنا أنا ورغيد.. عدنا إلى المنزل, لم أقم بتبديل ملابسي بعد, وعلى الفور, أَعَدْت ترتيب السرير, وقمت بتمليس المُشَمَّعة ومن ثم وَضَعْت رغيد عليه, أشار إلَي بأنين متقطع أَن أبقى معه وننام سوياً. ضَحِكْت ضحكة رقيقة وقلت له: -خلص رح ننام أنا وأنت, لم أَقُم بإتخاذ الوضع الكامل للنوم, قُمْت بوضع القسم الأعلى من جسدي على السرير ورأسي على الوسادة, ومن ثم طَوَّقته بلطف ما بين ذراعي والشق الأيسر من صدري وأنا أناجيه وأناديه بهمس وبشيء من بحة الصوت: -ايمتا رح تكبر يا عمري وتدخل للمدرسة وتتفوق وتنجح.. وماما تولين تشتريلك هدية حلوة كتيييير. بس يكبر حبيببي رح يحميني ويكون معي بالحياة.. احكيلي يا عمري.. ايمتا بدي شوفك شب؟؟ وهنا بكيت بهمس لسبب غامض كنت أجهله.. كانت تلك الترانيم الهادئة متناغمة مع الإمساك بخصلة صغيرة من شعري ومداعبتها وضم رغيد.. وبينما كنت متجهة إلى غرفة نومي لتبديل ملابسي, إذا بجرس المنزل يُقْرَع, قمت على الفور بالإتجاه حتى أرى مَن سيجيء, إذا برجلٍ أنيق, يرتدي طقم رمادي غامق, مع ربطة عنق ملائمة: -أهلا وسهلا مين؟؟ الرجل: -شو باين على الأميرة إنها طالعة.. قمت بالضحك بشكل كلاسيكي رقيق, وأخبَرْتُه بأَني عُدْتُّ للتو.. لم أشأ إدخاله إلى المنزل في اللحظة نفسها.. غير أَنه قام بإحراجي عندما قال لي: -شو مافي تفضل؟.. شَعَرْت حَقاً بالخجل قليلاً, إتجهنا إلى الصالة, بعدما أَحْضَرْت له مشروباً دافئاً.. بعد أَن قام بالتعريف عن نفسه, بأَنه يعمل لدى المسؤول الذي كان معنا في السهرة الأخيرة, وقام بإبتزاز فرج بإعطائه حصة قليلة من أرباح الصفقة, وقام بمغازلتي بشكل زاد ثورة غضبه..





via منتديات ماجدة http://ift.tt/1lZxo7k

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق