الأسود
الماضي الثاني
(صديق)
ها هم يحكمون قبضتهم عليه ,إنه يقاوم ولكنهم ثلاثة من أضخم ما رأيت من بني البشر , ينهالون عليه باللكمات والركلات , لا أحد سوى نحن الخمسة بالطريق . الظلام دامس ولا مصدر للضوء سوى سيارتهم , لا أرى بوضوح من مكاني واقترب اكثر فأكثر , بدأت أسمع صوت ضرباتهم وهي تحطم وجهه , بدأ يستنجد ولكن لا أحد يسمع في تلك المنطقة من المدينة ,مكان ناءِ بعض الشيء , لقد فقد كل سبل الهروب بعدما لوي كاحلة . بدأ يتحدث معهم بنبرة المتوسل "خذوا محفظتي والساعة هم كل ما لدي واتركوني رجاءا "ويجيبون عليه بصفعة على وجهه وضحكات ساخرة , "ارجوكم دعوني وشأني , ماذا فعلتلكم؟" . أراقب وأنتظر خطوتهم التالية , أمسك أحدهم بمطرقة متوسطة الحجم وأقترب منه , جحظت عيناه وقام بمحاولة مستميته للهرب ولكن ساقه خذلته , كل ما حوله يخذله شيئا فشيئا , عيناه لا ترى وصرخاته تكاد تكون كهمس طفل في لحظة أنين . سحبه الإثنان الأخران كما تُسحب السجادة من على الأرض , لا مقاومة , فقط بكاء ونحيب وتذلل وإنكسار , "هل ستقتلونني أم ماذا؟ دعوني أتوسل إليكم , ماذا فعلت لكم؟" , أمسكوا بيده اليمنى ووضعوها على غطاء سيارتهم , وهنا صدرت أعلى صرخاته ,صديقي عازف الجيتار البارع , لا يزال مبتدئاً ولكنه أبرز موهبة لا مثيل لها , هو من علمني العزف على تلك الآلة الرائعة , كم كانت تنساب النغمات من بين يديه لتسحرمن حولة , دقة متناهية في العزف أبهرت أشهر العازفين والموسيقيين في الأوبرا حينقدم عرضاً بسيطاً , مستقبل واعد كان ينتظره بعد غد , أتته أفضل فرصة للتسجيل مع أشهر الفرق في عرض خاص وبحضور ألمع النجوم من المطربين والملحنين , فرصة ذهبية لاينالها المرء سوى مرة في العمر , أنامله هي مصدر رزقه الوحيد , كم كان بائسا حينكان يعزف في محطات المترو ومواقف الباص وغيرها من أماكن التجمع كي يحظى بالقليل القليل من المال . فرصة ينتظرها كل أفراد أسرته كي يسعدوا بإبنهم النابغة . فرصةأخرجت "الأسود" من داخلي , ذاك اللون الذي إلتف حلو صدري وعقلي ولم يتركلي أي فكرة أخرى غير أنني الوحيد الذي سيعزف في تلك الحفلة , وحدي سأكون هناك لأبهر الجميع , لست ببراعتك يا صديقي ولكني سأبذل قصارى جهدي وسأنال ما أريد ,أعلم كم هو مؤلم ما يحدث لك فلن تعود لتمسك جيتارك إلى الأبد . الآن أستمتع بعزف هؤلاء الذين إستأجرتهم ليحطموا كنزك , ليسلبوا منك حلمك ويعزفون حلمي على أوتارأصابعك , صراخك هو نوتة صغيرة على سلم موسيقى المجد الذي سأصعدة درجة تلو الأخرى .تصرخ الآن وأنت تترقب أولى ضربات تلك المطرقة التي لن تغادر مخيلتك إلى الأبد ,تبكي بشدة , عيناك تزرف دماً , تتمنى الموت مع كل لحظة تمر عليك , تهبط المطرقة لأتنفس أنا رياح التغيير , يعلو صوتك أكثر فينشرح صدري أكثر وأكثر , وتنزل الضربة الثانية وتزداد عنفاً ومقاومة لهم وتبدوا كالثور الهائج ولكن أسخنتك الجراح فلاتقوى على شيء . تتابع الضربات وأنا أراقب من مكاني خلف أحد أعمدة الأنارة المعطلة وأشعر بقرب نجاحي . يرحلون الآن ويتركوك ملقاً على الأرض وسط أكثر كوابيسك رعبا وفزعاً , شعرت حينها بشيء خاطئ للغاية , نغمة ناقصة كي تتم معزوفتي , تذكرتها فيلحظات وصرخت بهم بعد تغيير نبرة صوتي بعض الشيء "اليد الأخرى" , حينها عادوا مجدداً ليتموا ما بدأوه وعدت أنا لأستمتع بمعزوفة مكتملة الأركان أقوم فيها بدور الموسيقار البارع والمايسترو الذي لا يسمح بخطأ في عرضه الخاص . يالهذا الإحساس من أثر في نفسي , مقابل مبلغ بسيط جدا أحرقت أحلامك ونثرت الرماد في مهب الرياح , لا عودة لك يا صديقي . مضت الأيام ونجحت أنا بعدما أزحتك من طريقي وذهبت لزيارتك , محطم من كل النواحي , جسدياً ونفسياً و ذهنياً وحولك من يبكون على حالك, وأجمل ما في الأمر أنك تبارك لي على نجاحي وعقدي الجديد مع تلك الفرقة المشهورة وتحلم بأن تراني من المشاهير واليوم وبعد إثنا عشر عاماً يتحقق هذا . يالك من"أسود" , طغيت علي وجعلتني جزء منك , أسحق كل من يقف في طريقي , صرت بالفعل كائن لا آدمية في قلبه ولا يرى سوى نفسه وحسب , أدفع ثمن خطيئتي يوماً تلوالآخر , لا زوجة محبة ولا ابن مطيع ولا راحة بال ولا صحة , لا شيء على الإطلاق ,لا أحلام , لا أمل , فقط ماضٍ أسود يجلس أمامي دائما وأنا أحتسي التيكيلا في غرفتي الخاصة , ينظر إليِّ كذئب أسود اللون , مسعور ينهش في لحمي ويتركني في الصباح التالي لأفيق ويعود ليهتك بي ليلاً . لا أجد مهربا لي حتى الآن سوى إنتظار الموت أو أن يعتريني شيء من الخبل والجنون.
via منتديات ماجدة http://majdah.maktoob.com/vb/majdah323958/?amp;goto=newpost
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق